محمد أبو زهرة

1705

زهرة التفاسير

أولها : أنهم أوتوا علم الكتاب وعلم النبوات ، وأنهم يعلمون الوحي الإلهى ، والكتاب الذي نزل على نبيهم ، والأنبياء قبله ، وإن ذلك كله يوجب المسارعة إلى تلبية داعى الحق إذا دعوا ، وألا تأخذهم العصبية الدينية ، كما تأخذ أهل الشرك العصبية الجاهلية . وثانيها : أن هذا الإيمان هو التصديق بما نزل الله تعالى على نبيه ، والله هو الذي أنزل على نبيكم أو أنبيائكم شرائعه ، وهو الذي نزل الشريعة التي تدعوكم إلى الإيمان ، ووحدة المنزل توجب الإيمان بكل ما أنزل ، وإلا كنتم تؤمنون ببعض وتكفرون ببعض . وثالثها : أن هذا الذي يدعوكم رب العالمين إلى الإيمان به ، هو يصدق ما معكم من الحق ؛ لأن البشارة برسوله عندكم ، وقد كنتم تستفتحون به على الذين كفروا ، ولأن الفضائل الدينية والاجتماعية قد اتفقت فيما يدعو إليه النبي مع ما دعا إليه أنبياؤكم من قبل ، فالوحدة الدينية قائمة بوحدة المنزل ، وبوحدة الحق الذي يدعوكم إليه رب العالمين . وقد يقول قائل : في الآيات السابقة ، ذكر سبحانه في غير هذا المقام أنهم أوتوا نصيبا من الكتاب ، وأنهم نسوا حظا مما ذكروا به ، وفي هذه الآية يناديهم بأنهم « أُوتُوا الْكِتابَ » ؟ ونقول في الإجابة عن ذلك : إن نسيانهم حظا مما ذكروا به ، وتركهم نصيبا منه ، لا يمنع الحكم بأنهم أوتوا الكتاب ؛ لأنه نزل على أنبيائهم السابقين كاملا غير منقوص ، فهم أعطوه ثم نقصوه ، والخطاب لهم على أساس ما أوتوه ، لا ما حرفوه ، ولعله كان من أحبارهم من يعلم علم الكتاب كله ، بل إن ذلك يشير إليه القرآن الكريم في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ( 159 ) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 160 ) [ البقرة ] .